صديقي سعود الدوسري... تحية وبعد...بقلم (ماريا معلوف )

صديقي سعود الدوسري... تحية وبعد...بقلم (ماريا معلوف )

بقلم مــاريا معلوف 07/11/2015 01:59 AM



 سعود الدوسري مات. تبدو العبارة غير منطقية. فالشاب الذي تزعم موته لا يزال هنا. صحيح أنك تعجز عن مصافحته، لكنه أقرب إليك من أن تصافحه. كأنه أنت... بعض الناس يرحلون في الخبر فقط، كأنهم يموتون ولا يمضون، وفي القلوب يبقون وفي الذكريات التي زرعوها يُفتِّحون أزرار ورد يعبق منها عبير الحياة.


 


لا أعرف كيف أقولها، لكن عبارة "مات سعود الدوسري" ما زالت تبدو لي غير منطقية، على الرغم من أنني مؤمنة، وأعلم علم اليقين أن الموت حق. لعل إبن الـ 47 عاماً سافر ولم يمت، لعلّه في رحلة لا بد ذات يوم أن نلتقي به خلالها، لأنها الرحلة التي لا بدّ منها. هو لم يرحل بل سافر فقط، سافر بعيداً بالتأكيد... لكنه لم يمت. بعض الناس يعجز عن تغييبهم الموت، فيبقون معنا، كأنهم هنا، بكلماتهم، بضحكاتهم، بالقلب الطيّب الذي أثمرت على شجرته صداقات خصبة.


 


كأننا جميعاً ما نزال هنا يا سعود، إلى مائدتك العامرة في بيتك البيروتي، حيث يكون قلبك أشهى أطباقها الرئيسية على الدوام. ها نحن نحيط بك، كما دائماً، نستمع إلى كلماتك الفضية الرزينة التي تزرع مساكب التوليب في الجلسات الهنيئة، مستمتعين بحُسن ضيافة هذا الوجه الوديع – الشهي مثل عناقيد  الرُطَب. من أين كنتَ تأتي بكل ذلك الإشراق!... لا أعلم ماذا تفعل الآن، لكنني على أتمّ اليقين أنك تبتسم، كما دائماً، فاتحاً آفاق الصباح.


 


آخر صفاتك كانت الصحافي... فأنت قبلها كنت الإنسان الكبير، الوجود النادر المرهف الشفّاف مثل انحناءة هِلال في ليلته الأولى.


 


يا الله! كيف كنت تجمعنا هكذا، بإشارةٍ من فؤادِك، لا أدري كيف، فإذا بنا شلّة من الأصدقاء نحفّ بك كأنك شمسُنا في الوسط ونحن كواكبك السيارة. لم تكن تبذل جهداً لتتجلّى في تمامك، كأنما هي طبيعة ثابتة فيك أن ينمو حولك الأحبة.


 


البعض كان يراك إعلامياً، وآخرون رأوك مذيعاً أو مُقدّماً تلفزيونيا، وغيرهم رأوك كاتباً وناقداً. لكنك كنت كل هؤلاء بأقل القليل من الجهد، وكنت تُثمر تماماً مثل نخلة لا يُتعبها أن تُدَلِّي مصابيحها كل موسم. لم تكن تحمل القرآن الكريم في جيبك، لكنك كنت على الدوام آية في أخلاقك. هي  عبارتك هذه التي باتت هويتك وواحدة من علاماتك الفارقة.


 


نجم الشاشات الناجحة أنت. من "أم بي سي" وحتى "روتانا خليجية"، مروراً بالبقية... إطلالتك كانت تشي بما هو آت. لذلك كرّسك الفضاء نجماً إعلامياً فريداً لا يُقارن بأحد. وحين قدّموا لك جائزة أفضل مذيع عربي لعام 1995، لم يستطيعوا إضافة أي تاج إلى تيجانك. وأنت صاحب الإسم اللامع، الإسم الذي لا يُنسى.


 


لكن ما لنا وللكلام العام، تعال نستعيد بعضاً من أيامنا الجميلة، وكل الأيام بوجودك كانت جميلة، وأنت روح الفرح والمودة النبيلة. وهل أنسى موسم الإنتخابات النيابية اللبنانية الأخيرة (التي لم تتكرر بعد حتى اليوم)، وقد تابعنا حراكها ومعنا الصديق العزيز فيصل الزواوي القنصل في سفارة المملكة العربية السعودية في بيروت. لكَم تنافسنا يومها من خارج ساحة المتنافسين في الانتخابات، ولكَم  تراشقنا بورد الكلام وبالكثير من الضحك والطرائف.


 


كم كنت مؤنساً في جلساتنا يا سعود، كم كان صدرك واسعاً وقلبك كبيراً. في جميع الظروف وتحت شتى ضغوطات الحياة، كان وصولك يدقّ جرس الراحة والإنشراح، وتتحول اللحظات إلى مواسم فرح وغبطة، فتأتلف القلوب بوجودك ويتقاطر الأحبة إلى حديقة مائدتك، وأنت كما أنت على الدوام، كلمة طيبة وتواضعاً جمّاً وفيض محبة.


 


وضعت لبنان في قلبك، فأزهر وبادلك محبة بمحبة، فكثر اصدقاؤك وفرح بك جيرانك، وكان تواضعك يملأ المكان والزمان، وأنت تسمع وتناقش وتتقبّل الرأي والرأي الآخر ، يا صديقي الصدوق الذي لا أعلم كيف سلبنا إياك ذلك النابض الحميم الذي كان أطيب ما فيك، فصمت على حين غرّة... لعلّه أراد ان يحتفظ بك لذاته في منأى عن غبار الحياة. كنت رائع المعشر حلو الروح لم تخدش رهافة أحد ولم تترك فرصة للمحبة إلا وبذلت فيها من ذاتك. وحين أوغلت في الإعلام، وحققت إشراقات النجاح الكبير، حافظت بشدة على تواضعك الذهبي وارتفعتَ كما سُحب الربيع المهاجرة، رافعاً معك رسالتك الإعلامية إلى أسمى المراتب.


 


أذكر جيداً حين كنتُ أنا قريبة إلى محطات تلفزيونية تُناصب المملكة العربية السعودية العداء، وكنت، أنت العربي السعودي الصافي، قريباً مني، تحبني وتحترمني غير آبه باختلاف التوجهات في حينه، لأنك كنت غاية في الإنسانية في تواصلك مع الآخرين. وحتى حين عُدتُ أنا إلى كنف الحق والصواب وأقمت طيّب العلاقات مع المملكة وسياستها الحكيمة، فإنك لم تتغيّر معي ولم تزدد تقرّباً إليَّ، بل بقيت على ما أنت، سماء صافية تحتضن كل جمالات الدنيا وبلا أدنى تأثر بوقائع الحياة والسياسة.


 


في حياتك تعلّمتُ منك الكثير، وتعلّمتُ منك أكثر تبعد موتك. يجرحني أن أقولها، "موتك"، ذلك المكان الذي لن تعود منه. لكن هذه لن تكون النهاية. فغداً، وربما في اللحظة التالية الآن، سنلتقي مجدداً في عالمك الذي سبقتنا إليه، سنهتدي إلى مكانك على نغمات ضحكتك، وسنسلك طريق قلبك الواسع لنتلاقى من جديد. فهذا هو الأمر الذي لا بد منه.


 


فإلى اللقاء... إلى اللقاء يا سعود.

إقرأ أيضا