تونس وسبع سنوات عجاف (1ـ3) بقلم / بدر عبدالملك

تونس وسبع سنوات عجاف (1ـ3) بقلم / بدر عبدالملك

08/02/2018 07:08 PM


عندما كتب ماركس قائلًا عن أن الثورات قاطرة التاريخ، فإن التاريخ اوسع مدى من تلك القاطرات، فللتاريخ دوراته وحركته المستقلة خارج وعينا وخارج الارادة السياسية لللافراد والجماعات. والتاريخ لا يسكن ويتوقف عند نقطة محددة وانما تمضي احداثه بطريقة مأساوية حينا، وفي حين آخر بطريقة ساخرة. تذكرنا احتفالية سبع سنوات ذكرى الثورة التونسية بتاريخ اسقاط نظام زين العابدين بن علي، التي من الضروري التوقف عندها هذه الايام كمحطة مراجعة تاريخية باستلهام الدرس التاريخي لفلسفة ونظرية الثورة التي تم الالتباس حولها والاختلاف العميق حول مهماتها وما هي طبيعتها في تونس ؟ وماذا حققت من اهداف رئيسية وهامشية بعد سبع سنوات عجاف شهدها ليس الشارع التونسي وحسب، بل و«الجيب والبيت التونسي» فالثورة تبدو عند اشتعالها مشروعًا نبيلًا وعظيمًا ولكنها في مساراتها اللاحقة قد تكون حلمًا في الفراغ واماني محبطة وانتظارات مؤلمة رغم ان ثمنها كان باهظًا. سبع سنوات عجاف في تونس وثورتها في تقهقر ولن تكون بأعظم وأغزر جرحًا للتاريخ الثوري العالمي كما هي ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى، التي بعد سبعين عامًا من التجربة الغنية – وليس سبع سنوات تونسية – انهارت كالكارتون المقوى امبراطورية سوفيتية اهم قيمة للعالم من أية ثورة كبرى في القرن العشرين. لذا عندما نقف امام كوابيس وطامات تجارب الثورات وتراجعاتها وانكماشها واحتوائها، فليس معنى ذلك ان التاريخ وقاطراته سيتوقف للأبد بنتائج مخيبة دومًا، فالتناقضات الاجتماعية بين العمل ورأس المال في اي مجتمع ينتج نمط من العلاقات الانتاجية وينتج طبقات متطاحنة وتفرز صراعات متعددة وباشكال ومستويات مختلفة وفق وضعها الطبقي في السلم الاجتماعي، فيما هناك فئات وشرائح اجتماعية تنصهر وتندمج وتختلف مصالحها عند تفجر واندلاع شرارة الانتفاضات والثورات، وتتحول تلك الحلقة الواسعة من الشعب المنسجم في لحظة تاريخية في هدف مركزي هو اسقاط «الدكتاتور/‏ النظام» نجدها بعد تلك المرحلة تعود الى ذاتها ومواقعها ومتاريسها الاجتماعية والسياسية، حيث يلعب الوعي السياسي عند الجماعات مكانته في استلهام مرحلة ما هو المهم من الاهم وما ينبغي انجازه وما علينا مواصلة استكماله. 

المسألة تبدو سهلة نظريًا حينما نرغب في تفكيك بنية المجتمع والدولة الطبقية واي نمط لدينا من الانظمة ؟ وما هي الادوات الفعلية لتجاوز مرحلة تاريخية انتقالية وصعبة ؟ في ظل فراغ رحيل رأس السلطة وحده وبقاء الارث برمته تحت الارض وبين اوراق الاجهزة البيروقراطية تاركًا زين العابدين بن علي خلفه سرطان الطبقات الطفيلية الفاسدة، القادرة على التكيف والانتهازية واستبدال جلدها في كل الازمنة، وتتحول الى ثورة مضادة غليظة من حالة العنف والمواجهة الى ثورة مضادة ناعمة، متقلبة تجيد تحريك مساحة الشطرنج المتاحة. قوة ناعمة لا تختفي كما نتوهم كالبخار الصباحي مع مد البحر وانما تتحرك بين ثنايا معقدة في بنية اجهزة الدولة والمجتمع المدني، حيث تمتلك «القوة الناعمة» في تونس المال وجبروته والاعلام والصحافة، والمؤسسات والنفوذ في اصغر مسجد واكبر مصرف، فيما خيوطها ما تزال هادئة في مواقعها القديمة دون اثارة ضجة او تهييج شارع محتقن في اقصى طرف من الريف والجهات والاحياء. 

تستوقفنا اللحظة التاريخية التونسية سبعين سنة للخلف وليس سبع سنوات حين كتب لينين مقالته «هل يحتفظ البلاشفة بالسلطة». توقفت عند سؤال مهم رغم اختلاف الزمن «هل يحتفظ التوانسة الثوريون بالسلطة» والذين كانوا خارجها وظلوا بنقاباتهم يسعون بجهدهم ان يكونوا جزءا من تلك المعادلة التونسية المضطربة. 

وسنتعمق اكثر في سياق مقالتنا عن الوضع التونسي الداخلي والخارجي في زمن العولمة، ومدى الصعوبات التي تواجه اية ثورة تسعى للصعود واستلام السلطة محاولة ادارة دفة دولة بصورة جديدة ومختلفة، يومها كان لينين يجادل الجماعات المختلفة التي كانت تقلل من دور الطبقة العاملة في ادارة وبناء دولة جديدة وبصيغة مختلفة حين قال محاججًا «لن تستطيع البروليتاريا الاستيلاء، تكنيكيًا، على جهاز الدولة» هذه الحجة قد تكون اكثر الحجج العادية شيوعًا. 

وتستحق أكثر ما يكون من الاهتمام لهذا السبب ولأنها تتعلق بمهمة من اخطر المهمات الملقاة على عاتق البروليتاريا الظافرة ومن أشقها. 

لا ريب ان هذه المهمات صعبة عصيبة، وان صعوبة مهام الثورة البروليتارية يجب ان تحفز انصار البروليتاريا الى مزيد من الاهتمام والدقة في دراسة الوسائل الضرورية للقيام بهذه المهمات – ويستكمل – «ان المقصود بجهاز الدولة، في الدرجة الاولى، الجيش الدائم والبوليس وسلك الموظفين». 

نحتاج دون شك دراسة كل نص تاريخي في مرحلة مختلفة بروح الاستلهام الدلالي، لكي لا نسبح في فضاء مثالي لثورة فضاؤها هو فضاء القرن الواحد والعشرين، وفي ظل اختلالات كبرى سياسية واقتصادية في عصر العولمة. وهل بإمكان ثورة تونس بعد سبع سنوات ان تمضي ولو خطوات للامام، في تحقيق جزء متقدم من برنامجها الوطني الديمقراطي في نظام سياسي دستوري؟ يستحكم بنصوص يمنح الشعب سلطات عديدة وحريات مختلفة عن الاستبداد المباشر والمكشوف في قفازات الدولة البوليسية السابقة، ليجد الشعب نفسه نسبيا في «نعيم سياسي يحمد الله عليه!» طالما انه يختار نائبه المبجل الكذاب المراوغ وينتخب مجلس نيابي بالتصويت المباشر الحر، في وقت تغمس شريحة واسعة من الشعب التونسي لقمتها بالحسرة وضنك العيش، فثورة لا توفر الخبز والكرامة لشعبها تصبح فيها كل الشعارات البراقة الرنانة مجرد لغو فارغ وأوهام من طواحين دونكيشوتية.

إقرأ أيضا